محمد رأفت سعيد
11
تاريخ نزول القرآن الكريم
رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) [ النحل ] . ومن المعاني اللغوية كذلك الإشارة ، وذكر هذا في قوله تعالى : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 ) [ مريم ] هذا وقد يطلق لفظ الوحي ويقصد به الموحى به . وأما معنى الوحي اصطلاحا فهو : إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه ؛ فالموحى هو الله سبحانه ، والموحى إليه نبي من أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم جميعا ، والموحى به حكم شرعي من أمر أو نهى ونحو هذا مما يوحى به الله تعالى من أنباء من سبق وما حدث لهم ، وما سيأتي ، وما يبنى عقيدة التوحيد خالصة نقية ، وما يؤسس الخلق الكريم ويغرى بالتحلى به ، وما ينفر من رذائل الأخلاق ، وما يقيم مجتمعا فاضلا على حسن العبادة لله وحسن التعامل فيما بينهم . ومن فضل الله على خلقه أن اصطفى منهم من يقوم بتبليغ وحيه إليهم حتى يسيروا في حياتهم على هدى ، وحتى لا يضلوا : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ( 33 ) [ آل عمران ] . ويوحى الله إلى خلقه ما يسعدهم في جميع فتراتهم الزمنية ، وما يناسب بيئاتهم المكانية ، حتى كان وحيه إلى خاتمهم صلّى اللّه عليه وسلم يحمل من خصائص الاستمرار ما يجعله معطاء لكل الأجيال إلى قيام الساعة . ويذكرنا الله سبحانه بهذه المنة على خلقه جميعا في خطابه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم في قوله الكريم : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 163 ) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ( 164 ) [ النساء ] . فهؤلاء ممن اصطفى الله ، وذكر الله تعالى أسماءهم ، وقص علينا من أخبارهم ، وما أوحى به إليهم ، وكيف كان حال أقوامهم معهم ، لنفيد من هذه التجارب باعتبارنا الأمة الأخيرة في حياة الأمم . وهذه المجموعة من صفوة البشر ليسوا وحدهم ، بل هناك آخرون قاموا بهذه المهمة ، وأوحى الله إليهم ولم يقصصهم علينا ربنا . وما قصّه علينا فيه الجمع المفيد لكل طبائع البشر وكيف كان حالهم مع الوحي ؛ فمنهم من استجاب ونجا ، ومنهم من فتن بماله ، ومنهم من فتن بجاهه ، ومنهم من فتن